
حماية الفلكلور (التراث الشعبي) وفقا لقوانين و أنظمة حماية حق المؤلف و الاتفاقيات الدولية
حماية الفلكلور (التراث الشعبي) وفقا لقوانين و انظمة حماية حق المؤلف و الاتفاقيات الدولية
يُعد الفلكلور أو الشعبي أحد أهم المكونات الثقافية التي تعبّر عن هوية الشعوب وخصوصيتها الحضارية، إذ يجسد القيم والعادات والتقاليد التي توارثتها المجتمعات عبر الأجيال. ويشمل هذا التراث مختلف أشكال التعبير الثقافي مثل الحكايات الشعبية، والأغاني والأهازيج، والرقصات، والأزياء التقليدية، والحرف اليدوية، فضلًا عن العادات الاجتماعية المتجذرة فئي وجدان المجتمع. ومع تطور وسائل الاتصال واتساع نطاق العولمة، أصبح الفلكلور عرضة للاستغلال غير المشروع، مما أوجد حاجة ملحّة لتوفير حماية قانونية فعالة له
فالتساؤل الذي غالبا ما يطرح في هذا السياق تتمثل في مدى خضوع الفلكلور للحماية القانونية في قانون حق المؤلف، إذ إن الأصل من الاعمال و المصنفات الادبية يجب ان تقوم على اساس فكرة الإبداع الفردي ووجود مؤلف محدد، في حين أن الفلكلور يتميز بكونه نتاجًا جماعيًا مجهول المؤلف، نشأ وتطور عبر فترات زمنية طويلة. ولهذا السبب، فإن الفلكلور لا يندرج عادة ضمن الحماية التقليدية لحق المؤلف، الأمر الذي استدعى تدخل المشرّع الوطني والمنظمات الدولية لوضع آليات خاصة لحمايته
وقد اتجهت العديد من التشريعات الوطنية، لاسيما في الدول العربية، إلى إقرار حماية قانونية للفلكلور ضمن قوانين حق المؤلف أو من خلال نصوص خاصة. ففي التشريع الأردني، على سبيل المثال، استثنى الفلكلور الوطني من الحماية القانونية الا اذا تميز بجهد شخصي بنطوي على الابتكار او الترتيب ، حيث اعتُبر التراث الشعبي ملكًا عامًا للشعب، تتولى الدولة مسؤولية حمايته والإشراف على طرق استغلاله. ويُشترط الحصول على موافقة الجهات المختصة قبل استخدام الفلكلور لأغراض تجارية، وذلك بهدف منع تشويهه أو استغلاله بما يتعارض مع القيم الثقافية للمجتمع. ويلاحظ أن هذه الحماية تركز بدرجة كبيرة على البعد الأخلاقي والثقافي، أكثر من تركيزها على العائد المالي
وعلى المستوى الدولي، برز دور المنظمات الدولية في تعزيز حماية الفلكلور، وفي مقدمتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو)، التي عملت على تطوير مفهوم “أشكال التعبير الثقافي التقليدي”، وسعت إلى إيجاد إطار قانوني يوازن بين حماية التراث الشعبي ومنع الاستيلاء الثقافي من جهة، وبين تشجيع الإبداع والاستفادة المشروعة منه من جهة أخرى. كما لعبت منظمة اليونسكو دورًا محوريًا من خلال اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، والتي هدفت إلى حماية الفلكلور بوصفه تراثًا إنسانيًا مشتركًا، وذلك عبر توثيقه وصونه وضمان نقله إلى الأجيال القادمة
ومن خلال المقارنة بين الحماية الوطنية والحماية الدولية، يتبين أن التشريعات الوطنية تتميز بطابعها الإلزامي وارتباطها بجزاءات قانونية واضحة، في حين أن الاتفاقيات الدولية تركز على الجانب الثقافي والإنساني، وتعمل كإطار توجيهي يعزز التعاون بين الدول. وعليه، فإن الحمايتين تكملان بعضهما البعض، ولا يمكن الاكتفاء بإحداهما دون الأخرى
وفي هذا الإطار، لا بد من التمييز بين الفلكلور بوصفه تراثًا أصيلًا لا يجوز احتكاره، وبين المصنفات المشتقة عنه، كالأعمال الفنية أو الأدبية المستوحاة من التراث الشعبي. فهذه المصنفات يمكن أن تخضع لحماية حق المؤلف، شريطة أن تتضمن قدرًا كافيًا من الإبداع الشخصي، مع بقاء عناصر الفلكلور نفسها متاحة للجميع
ختامًا، يمكن القول إن حماية الفلكلور تمثل ضرورة قانونية وثقافية في آن واحد، لما له من دور أساسي في الحفاظ على الهوية الوطنية ومنع الاستغلال غير المشروع للتراث الشعبي. وتبرز الحاجة إلى تطوير تشريعات أكثر وضوحًا وتفعيل التعاون الدولي، بما يحقق التوازن بين صون التراث من جهة، وتشجيع الإبداع الثقافي من جهة أخرى
بقلم الأستاذة المحامية : ياسمين عبده

